افتتاحية العدد: مجله “وميض الفكر” حمالة هم الثقافة

عنوان البحث: افتتاحية العدد: مجله "وميض الفكر" حمالة هم الثقافة
اسم الكاتب: الدكتور علي مهدي زيتون
تاريخ النشر: 25/09/2025
اسم المجلة: مجلة وميض الفكر
عدد المجلة: 27
تحميل البحث بصيغة PDFافتتاحية العدد: بقلم الدكتور علي مهدي زيتون
مجله “وميض الفكر” حمالة هم الثقافة
بقلم الأستاذ الدكتور علي مهدي زيتون
رئيس قسم اللغة العربية وآدابها في الجامعة اللبنانية سابقاً،
أكاديمي وباحث مرموق، متخصص في اللغة العربية وآدابها، وله إسهامات كبيرة في مجال النقد الأدبي،
بالإضافة إلى تأليفه العديد من الكتب والأبحاث في مجالات الأدب والشعر والدين والثقافة،
ونشط في المؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية
a.m.zaitoun@hotmail.com
مجلة “وميض الفكر” حمالة هم الثقافة في لبنان والعالم العربي. وإذا كانت الثقافة متعددة الوجوه والأبعاد تمسك بجميع حقول المعرفة وتحدد لها مسافاتها: من اللغة إلى الأدب شعراً ونثراً ، إلى علم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ والسياسة والفيزياء والكيمياء والطبيعيات، وذلك لأن الثقافة بما هي خلاصات العلوم لا بد من أن تكون السلطة الحاكمة لكل ما يتعلق بالوعي البشري، ويعني ذلك أن تكون المسؤولة عن نماء كل هذه العلوم الواقعة تحت سلطتها، في مجتمع من المجتمعات. ويسير بنا ذلك إلى حقيقة مفادها أن كل جيل من اجيال الثقافة يجد نفسه مكلفاً بطرح الأسئلة الجادة على ما هو قائم في زمانه حول أي منحى من مناحي العلم والمعرفة. ذلك أن المعرفة داخل كل حقل من حقولها لابد من أن تصل آخر الأمر إلى منتهى قدراتها ولا تعود قادرة على الاجابة عن الأسئلة التي تطرحها عليها المرحلة المستجدة . ويجد المهتمون بالثقافة أنفسهم، مكلفين بتحديد المشكلات والتحديات التي نمت داخل هذا الحقل المعرفي او ذاك والسعي إلى فهمها وايجاد الحلول المطلوبة لها ومجلة “وميض الفكر” ومنذ نشاتها الأولى وجدت نفسها تحمل مثل هذا الهم بشكل مؤكد. فهي قد أدركت قبل غيرها، ومن خلال ما طرحته على نفسها، أن كلّ مرحلة من مراحل التاريخ والمجتمع تستنفد ما يوجد بين يديها من معرفة وتصبح متجهة إلى مواجهة المشكلات والتحديات التي تتطلب فهماً وحلولاً.
وإذا ما وُجد احساسٌ عند مدبّري امور مجلة وميض الفكر أن التربية وما تقوم عليه من معارف تشكو من أكثر من وجعٍ انصرفوا إليها داعين المهتمين بالتربيه خصوصا أولئك الذين بلغوا مستوى رفيعاً من إلى معالجة تلك الشكوى، تعلق الأمر بالمسافة القائمة بين التعليم الرسمي والتعليم الخاص. ومدى انعكاسها على مستوى الخريجين في المجالين أم تعلّق بالنجاح أو الفشل في تامين حاجات المجتمع المعرفية. وواجهتهم اسئلة صعبة أحيانا من مثل: ما مدى نجاح التربية في لبنان في إنتاج أجيال قادرة على الارتقاء بالوطن ؟
وما المعوقات والتحديات التي تواجهها؟ وما المطلوب ثقافياً أو مادياً لمواجهتها؟ ويبقى السؤال الأصعب الذي يواجه التربية في مجتمعنا اللبناني متعلقا بكيفيه الارتقاء بالتعليم الرسمي، لما يمثله من اهتمام بالشريحة الأوسع في من تلاميذ لبنان. نعني بهم ابناء الطبقة الاجتماعية الأكثر فقراً. وإذا كان السؤال التربوي سؤالا فكريا مركزيا يرفع على كتفيه كل الأسئلة الأخرى، فان ذلك لا يعني تجاهل بقية الأسئلة والتخلي عن الاهتمام بها. ولعل السؤال الجوهري الثاني الذي يفرض نفسه على مناخات المجلة ما يتعلق بالخطاب السياسي؛ لأن هذا الخطاب بقدر ما يكون راقيا فانه يصب في بوتقة الخطاب التربوي ويؤدي دورا مساندا اياه، خصوصا إذا ارتبط هذا الخطاب بالمثل الشعبي. ومما يجدر ذكره أن الخطاب السياسي والمثل الشعبي كليهما يقوم على حساسية مرهفة مرتبطة بمشاعر من يتوجه هذا الثنائي اليه. فالخطاب السياسي مع شدة قساوته متلاق مع المثل الشعبي مع كل ما يحمل من لطف ليملا ليمثل دعوة الناس إلى اصلاح نفوسهم بما يجعلهم يعيشون حياة سلام في مجتمعهم ، وهذا ما يصلهما بالبعد التربوي اتصالا فاعلا ومتفاعلا. المهم أنه بقدر ما يفعل المثل الشعبي فعله في الخطاب السياسي فان هذا الخطاب يعطي المثل الشعبي غناه ذلك لأن المثل الشعبي بوصفه تعبيرا عما يمس حساسية الناس ويتعلق بجوهر سلوكهم ، فانه فاعل اساسي في تحديد مسار الخطاب السياسي ودفعه ليكون خطابا راقيا يتطلع إلى مصلحة المجتمع بعيدا عن إثارة العدائية بين ابنائه. وإذا كان مجتمعنا، كأي مجتمع، قائما على تعددية ثقافية، فان ذلك مدعاة لصراع ايديولوجي يتطلب دعوة إلى تهذيب الخطاب وجعله معترفا بالأخر وحقوقه مثل ما يريد من الأخر أن يعترف بحقوقه ووجوده.
ومجلة وميض الفكر بوصفها مجلة ساعية للقيام بدور ثقافي فاعل، فانها تراه فانها تراه بالدعوة إلى بناء حقول بحثية مترابطة ترتقي بالعقل الجمعي إلى مستوى لائق بالوطن من وبالمواطنية. ولا تكون هذه الدوائر البحثية مفيدة بما فيه الكفاية إذا لم تكن متعددة الاختصاصات لها علاقة بالاصلاح الاجتماعي مثل ما لها علاقة بترسيخ القيم الخلقية مهتمة بانتاج المناهج المتخصصة بالزراعة مثل ما هي متخصصة بالصناعة. فمجلة تصدر في بلد مثل لبنان لا يوجد فيه ما هو مستقيم أو ناهض هي مجلة مضطرة إلى أن تواجه وضعاً مريضاً يتطلب كلفة عالية لا يمكن مجلة مثل مجلتنا أن تؤمنها، فالسياسة في حال غير صحية، والاقتصاد يعاني مرضاً صعب الشفاء. والمجتمع لا يملك من اشارات السلامة ما يبشر إنها صرخة تطلقها مجلتنا لعلها تكون مستجابة.




